النويري

130

نهاية الأرب في فنون الأدب

وكان أبى دهقان « 1 » قريته ، وكنت أحبّ خلق اللَّه إليه ، ثم لم يزل به حبّه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية ، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار « 2 » الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة ؛ قال : وكان لأبى ضيعة عظيمة ، فشغل في بنيان له يوما ، فقال يا بنى : إني قد شغلت في بنيانى هذا اليوم عن ضيعتي ، فاذهب إليها ، فأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال : ولا تحتبس عنى ، فإنك إن احتبست عنّى كنت أهمّ إلى من ضيعتي وشغلتنى عن كل شئ من أمرى ؛ قال : فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها ، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى ، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلَّون ، وكنت لا أدرى ما أمر الناس بحبس « 3 » أبى إياي في بيته ، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون ، فلما رأيتهم أعجبتنى صلاتهم ، ورغبت في أمرهم وقلت : هذا واللَّه خير من الدّين الذي نحن عليه ، فو اللَّه ما برحتهم حتى غربت الشمس ، وتركت ضيعة أبى فلم آتها ، ثم قلت لهم : أين أصل هذا الدّين ؟ قالوا : بالشام ، فرجعت إلى أبى وقد بعث في طلبي ، وشغلته عن عمله كلَّه ، فلما جئته قال : أي بنىّ ! أين كنت ؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت ؟ قلت : يا أبت ! مررت بأناس يصلَّون في كنيسة لهم ، فأعجبني ما رأيت من دينهم ، فو اللَّه ما زلت من عندهم حتى غربت الشّمس ، قال : أي بنى ! ليس في ذلك الدين خير ، دينك ودين آبائك خير منه ، قلت له : كلا واللَّه ! إنه لخير من ديننا ، قال : فخافنى فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته ، فبعثت إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركب من الشام تجّار فأخبروني بهم ، قال : فقدم عليهم ركب من الشام تجار من النّصارى فأخبروني بهم ، فقلت : إذا قضوا حوائجهم ، وأرادوا الترجعة

--> « 1 » الدهقان رئيس الإقليم ، أو مقدم القرية أو زعيم فلاحى العجم ( تاج - دهقن ) . « 2 » قطن النار : خادمها . « 3 » في السيرة 1 : 229 : « لحبس » .